الدراسات العليا بين الكم والنوع ، طاهر البكاء

الدراسات العليا بين الكم والنوع

طاهر البكاء

حزيران 2016

تُعدُّ الدراسات العليا المحطة الأكاديمية الأخيرة في سُلّم التحصيل العلمي الجامعي ، لكنّها ليست آخر المحطات في البحث العلمي ، إذ تعقبها مراحل التطبيق وتطوير الخبرات ميدانياً أو عن طريق البحث ، لذا فإنّ الدول المتقدمة والجامعات الرصينة ترصد مبالغ طائلة لحقلي الدراسات النظرية والتطبيقة ، ونراها تستقطب الطلبة والباحثين المتميزين من مختلف أنحاء العالم ، وتوفر لهم سبل البحث العلمي ، لترتقي بهم وببحوثهم ، ويرتقوا من خلالها وعبر الفرص الثمينة التي توفرت لهم .

أقول هذا وقد هالني ما قرأتُ في التقرير السنوي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2014 عن التوسع المهول في الدراسات العليا، وفي كل المستويات والحقول العلمية ، وقد أشار إليها معدو التقرير مفاخرين ومتباهيين . في حين أن حقائق الأرقام تعكس صورة مناقضة تماماً، بل تبعث على الحزن والقلق .

ومن أجل إعطاء صورة واضحة عن الدراسات العليا داخل الوطن لابدَّ من لمحةٍ تاريخيةٍ عن نشأتها والمراحل التي مرت بها.

استعنت بالأخ الأستاذ الدكتور ابراهيم العلاف الذي أوضح أن الدراسات العليا ابتدأت عندما وافق مجلس جامعة بغداد في 18 تشرين الثاني سنة 1959 على الصيغة النهائية للائحة نظام منح درجة ماجستير علوم ، وأقر بتأريخ 13 نيسان 1960 لائحة نظام منح درجة ماجستير في الآداب وبدأ القبول والتسجيل لمرحلة الدراسات العليا في العام الدراسي 1960-1961 في أقسام التاريخ ، الزراعة، الطب ، الكيمياء ، الهندسة المدنية ، وتم في العام الدراسي 1961-1962 قبول طلبة دراسات عليا في أقسام أخرى هي ، الآثار ، الجغرافية ، طب الأسنان ، اللغة العربية ، البايولوجي وعلوم الحياة . وأسست في أيار 1962 (عمادة الدراسات العليا ).

وبعد أن استقرت دراسات الماجستير فُتَحَ المجال لدراسات الدكتوراه سبعينيات القرن الماضي وكان قسما التاريخ والجغرافية في كلية الآداب في مقدمة الأقسام التي اتجهت لمنح شهادة الدكتوراه لكن قسم الجغرافية كان السباق في إنجاز أول أطروحة دكتوراه سنة 1976 في حين كانت أول رسالة ماجستير في الجغرافية قد أُنجِزت سنة 1967 ، أي بفارق قدره 9 سنوات.

وقبل استحداث الدراسات العليا في جامعة بغداد كان العراق يعتمد في إعداد الكوادر العليا من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه على المبتعثين.

شهدت سبعينيات القرن الماضي ، وبشكل خاص النصف الثاني منها ، توسعاً مدروساً في برامج الدراسات العليا ، إذ سُمِحَ للكليات والأقسام العلمية باستحداث دراسات عليا ، وفق شروط صارمة من حيث توفر الكادر التدريسي المؤهل ، من ذوي الألقاب العلمية المتقدمة ، وتوافر المستلزمات العلمية مثل المصادر والأجهزة المختبرية ، ترافق ذلك مع ابتعاث آلاف الطلبة للحصول على الشهادات العليا من مختلف جامعات العالم. وشكل هؤلاء بعد تخرجهم وعودتهم إلى الوطن مع زملائهم الذين تخرجوا من جامعة بغداد ذخيرة وطنية حافظت على ديمومة وتوسع الجامعات العراقية وتزويد أجهزة الدولة بالكفاءات العليا في زمني الحرب والحصار.

أثرت الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988 في برنامج البعثات ، فاضطرت الدولة في البداية إلى تقليص إرسال المبتعثين في بعض الاختصاصات ، وإيقافها لاحقا ، وذلك لتوجيه موارد البلد نحو تلبية متطلبات الحرب. وإستعاضت عنها بالتوسع في برامج الدراسات العليا في الجامعات العراقية ، الأمر الذي استوجب إجراء تخفيفٍ بسيطٍ في الشروط الواجب توفرها في الكليات والأقسام العلمية لاستحداث تلك البرامج.

جاء الحصار الاقتصادي الظالم 1990 – 2003 ليقضي تماماً على برنامج البعثات ، وكانت الزمالات الممنوحة من بعض الدول -على محدوديتها جداً- القناة الوحيدة المتوفرة للدراسة في الخارج . ومن أجل توفير كوادر متخصصة من حملة الشهادات العليا ، اضطر العراق ، مرة أخرى في تلك المدة إلى توسيع القبول في برامج الدراسات العليا القائمة ، واستحداث أخرى جديدة. وقد شمل ذلك التوسع أغلب الجامعات العراقية ، مما أنشأ جيلاً من حملة الشهادات العليا لم تُتَحْ لهم الفرصة لتعلّم لغة أجنبية والاطلاع على برامج الجامعات العالمية. تزامن ذلك مع حرمان الجامعات العراقية من استيراد الأجهزة المختبرية والمصادر العلمية ، بحجة الاستخدام المزدوج لها. وللتاريخ فقد اعترض وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، حينئذ ، الدكتور عبد الرزاق الهاشمي على ذلك التوسع وقال ما معناه " إن الجامعات العراقية ستخرِّج لنا أنصاف دكاترة، وهؤلاء سيخرّجون لنا أرباع دكاترة" لكن رأيه لم يحظ بالقبول "[1]".

اختلف الأمر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق نيسان 2003 اختلافاً كبيراً ، إذ عمت الفوضى ، واضطربت الأمور ، وخسرت الجامعات عدداً هائلاً من حملة الشهادات العليا والألقاب العلمية المتقدمة ، وذلك إثر قرار الاجتثاث سيئ الصيت ، لكنْ في الوقت ذاته فُتحت الأبواب مشرعة أمام العراقيين للسفر ، وتمتعت الجامعات باستقلالية لم تألفها من قبل ، وعاد عدد كبير من الأساتذة الذين اضطرتهم ظروف الحصار القاسية إلى (الهروب)"[2]" للعمل في جامعات عدد من الدول العربية .

ومن أجل النهوض بمستوى الأستاذ الجامعي العراقي ، أعادت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي 2004 – 2005 فتح برنامج البعثات ، وفي الوقت ذاته وبهدف تقوية وترصين ورفع مستوى مخرجات الجامعات العراقية تم إيقاف برامج الدرسات العليا في 153 قسماً وحقلاً علمياً لعدم توفر الشروط العلمية "[3]" من حيث الأجهزة المختبرية والمستلزمات العلمية الأخرى ، خاصة بعد شمول عدد كبير من الأساتذة من حملة الألقاب العلمية بالاجتثاث "[4]" ، وللدمار الذي أصاب الجامعات نتيجة للعمليات العسكرية ، والفرهود الذي رافق سقوط النظام "[5]".

لم تستمر السياسة التي رسمتها الوزارة في 2004 – 2005 طويلا ، إذ تولى وزراء متحزبون مقاليدها بعد 2006 ، وفتحوا باب القبول في الدراسات العليا بشكل واسع ، وخاصة في مدة استيزار السيد علي الأديب 2010 – 2014 " من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار حاجة البلد والجامعات للاختصاصات العليا ، وتوفر الشروط اللازمة لفتح دراسات عليا في عدد كبير من الأقسام العلمية ، واستحدثوا عدة قنوات للقبول ، لم تكن مألوفة من قبل ، مثل ، قناة السجناء السياسيين ، وقناة ذوي الشهداء ، وقناة النفقة الخاصة "[6]"، وبموجب هذه القنوات جرى قبول أعدادٍ كبيرة ، قسم غير قليل منها غير مؤهلٍ أكاديمياً للدراسات العليا. كل ذلك جرى لأسباب سياسية ضيقة ، أو لمجاملات شخصية ، والجدول التالي يبين أعداد طلاب الدراسات العاليا فقط في سنتين، بمن فيهم المقبولون وفق القنوات أعلاه "[7]".

السنة الدراسية

طلبة الدكتوراه

طلبة الماجستير

طلبة الدبلوم

2009 – 2010

6,303

10,051

898

2012 – 2013

9’438

18,102

1,815

من المفيد أن نشير هنا إلى أن الوزارة في الوقت الذي توسعت ببرامج الدراسات العليا ، توسعت أيضا ببرنامج البعثات ، والأخير يبعث على التفاؤل ، وفتحَ الباب على مصراعيه للدراسة على النفقة الخاصة في الخارج ، مما أدى إلى التحاق أعداد كبيرة في ذلك البرنامج ، لكنّ ما يؤسف له أن أغلبهم فضل الدراسة في بلدان وجامعات لا يمكن اعتبارها متطورة ، وبعضها يفتقد إلى الرصانة العلمية.

تفاجأ عدد كبير من المتخرجين، ومن حملة الشهادات العليا أن سوق العمل لا يحتاج إلى تخصصاتهم ، مما حدا بهم إلى تنظيم تظاهرة احتجاج أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 12 نيسان 2015 ، أحرق خلالها بعضهم شهاداتهم الجامعية "[8]"، وكأنهم يحملون الوزارة والجامعات مسؤولية عدم توفير درجات وظيفية لهم ، مع أن ذلك الأمر لم يكن كذلك. وفي تقديري أن مرد ذلك إلى الأثر الاجتماعي ، إذ أن الشخص الحاصل على شهادة عليا غالبا ما يمتنع عن القيام بأي عمل حر ويظل ينظر إلى العمل في الجامعات والوزارت ومراكز البحوث.

رُبّ قائلٍ ، إن التوسع في برامج الدراسات العليا ليس الهدف منه تلبية حاجة مؤسسات الدولة من الكفاءات، وإنما إشباع حاجات الأفراد الراغبين بالحصول على ألقاب علمية متقدمة . هذا الكلام فيه وجاهة مقبولة. لكنّه يتطلب الأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة ، كما أننا لم نصل بنظامنا التربوي إلى مستوى إشباع حاجات الأفراد وتلبية رغباتهم "[9]" ، إذ أنَّ مسؤولية الدولة ، حسب الدستور، تنحصر في إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي "[10]" ، أما التعليم الثانوي فإنه غير إلزامي لكنه مجاني. أما الدراسة الجامعية فهي اختيارية ، والدرسات العليا للمؤهلين والمتميزين ، ووفق الحاجة في كل اختصاص علمي.

مما تقدم يستوجب على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العمل بشكل جاد وسريع إلى إيقاف القبول فوراً ببرامج الدراسات العليا في كل الأقسام العلمية التي لا تتوافر فيها المتطلبات الأكاديمة من ألقاب علمية متقدمة ، أجهزة مختبرية ، مصادر علمية كافية ، إلخ. ودراسة حاجة الجامعات ومؤسسات الدولة الأخرى والقطاع الخاص من حملة الشهادات العليا وبمختلف التخصصات وفتح القبول وفق الحاجة العامة.

وإذا ما ارتأت الوزارة أن الوقتَ مناسبُ للتوسع في الدراسات العليا بما يلبي ويشبع طموحات الأفراد فيجب عليها أن تأخذ بنظر الاعتبار حسابات الكلفة أولاً بحيث لا تتحمل الجامعات نفقات هذا النوع من الدراسات ، بل يجب أن يكون أحد مصادر التمويل الذاتي للجامعات.

وأود أن أختم هنا مذكراً بمقالين نشرا لي في جريدة الصباح قبل ثماني سنوات، أحدهما تحت عنوان "سياسة وزير لا فلسفة وزارة" الذي حذرت فيه من تسلطِ سياسةِ وزيرٍ على مقاليد الوزارة والجامعات ، وفي المقال الآخر الذي كان بعنوان "استقلال الجامعات ضرورة وطنية ملحة" ، طالبت بإلغاء الوزارة ، لكن المقالين لم يحدثا أي صدى لدى المسؤولين. فشهدت السنوات العشر الماضية غياباً كاملاً لفسلفة تعليمية واضحة، فضلاً عن طغيان أمراض المحاصصة اللعينة ، واجتهادات وزراءٍ وميولهم السياسية والطائفية مما أثر سلباً في العملية التعليمية ، التي بدأنا نتلمس آثارها بشكل واضح على كل المستويات ، ولا نستثني منها حتى بعض مخرجات الدراسات العليا.

[1]- ينظر ، طاهر البكاء ، العقل العراقي في محيط مضطرب ، بغداد ، ص 23 . [2]- أقول الهروب لأن النظام في تلك المدة منع سفر الأساتذة خوفاً من إفراغ الجامعات من الكفاءات. [3]- طاهر البكاء ، مصدر سابق ، ص 48. [4]- المصدر نفسه ، ص 41. [5]- المصدر نفسه ، ص 39. [6]- المصدر نفسه ، ص 61. [7]- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، التعليم العالي والبحث العلمي ، أرقام وحقائق ... ، ص 22. ص 36. [8]- نقلت كثير من وكالات الأنباء صور ومقاطع فديو للتظاهرة. [9]- من المؤسف ان يتحول الحصول على "لقب دكتور" باي طريقة كانت ، ودون محتوى علمي حقيقي إلى هدف لكثير من السياسيين ، ومارسوا ضغوطاً كبيرة للحصول على إستثناءات من شروط القبول. [10]- ينظر دستور العراق الدائم 2008 ، الفقرة أولاً ، المادة 34 ، ص 18.

Tahir Albakaa
Historian