سياسة وزي لا فلسفة وزارة في ضوء قرار وزارة التعليم العالي إحالة عدد من الأساتذة إلى التقاعد.



سياسة وزير لا فلسفة وزارة

في ضوء قرار وزارة التعليم العالي إحالة عدد من الأساتذة إلى التقاعد

طاهر البكاء

أحالت وزراة التعليم العالي إلى التقاعد –خريف 2008- عدداً كبيراً من الأساتذة ممن بلغوا السنّ التقاعدية ، حسب قانون الخدمة الجامعية . وإذا ما عرفنا أن هؤلاء من حملة الألقاب العلمية المتقدمة، مضيفينَ اليهم العدد الكبير ممّن غادروا الوطن ، بسبب الوضع الأمني ، لأدركنا حجم الخسارة العلمية التي مُنيت وستُمنى بها الجامعات العراقية .

إن تطبيق القوانين والالتزام بها أمر جيد ومرحب به. لكنّ ظروف البلد الحالية الاستثنائية، والنقص الهائل في الكفاءات العلمية واضطرار أعداد كبيرة للهجرة، والتوسع الهائل في فتح جامعات وكليات جديدة، كل ذلك يفرض علينا الاحتفاظ بالكفاءات المتقدمة والنادرة ، خاصة وأن أغلب ذوي الكفاءة يتمتعون بقابليات بدنية ، تؤهلهم للاستمرار في مسيرة العطاء الثر .

تستقطب أرقى الجامعات بالعالم كوادرعلمية متقدمة قبل و بعد إحالتهم إلى التقاعد في بلدانهم الأصلية. وأثناء سنتي البحثية في الجامعة الأولى في العالم " هارفرد" في الولايات المتحدة الاميركية ، شاهدت أساتذة بلغوا من العمر عتيّا ، منهم على سبيل المثال لا الحصر رئيس قسم الفيزياء الذي شارف على التسعين من العمر ، كما أنّ الجامعة ذاتها احتفظت بالأستاذ العراقي المرحوم فخري البزاز ، رغم إصابته بمرض عضال ، إلى أن توفاه الله في الشتاء الماضي ، فوقفت الجامعة حزناً على فقده. من المعروف بداهة أن الأساتذة تتجذر تجاربهم ، ويتعمق عطاؤهم ، كلما كثرت أبحاثهم ، التي تصبح نوعية بتراكم عطائهم .

كم خسرت جامعة بغداد عندما أحيل المرحوم علي الوردي إلى التقاعد ، وهو لمّا يزل معطاء ؟ ، وهل توقف الأستاذ حسين علي محفوظ عن العطاء بعد إحالته إلى التقاعد؟ ألم تضطر الجامعة التي أحالته إلى التقاعد للاستعانة به لأكثر من عقدين في الإشراف على طلبة الدراسات العليا ؟ ألم تتلقف الجامعة الاردنية المؤرخين العراقيين عبد العزيز الدوري ، و عبد الأمير محمد أمين ، وحسين القهواتي؟ وهناك مئات غيرهم . أيعقل أن تخسر الجامعات أساتذة من أمثال كمال مظهر أحمد ، وهاشم التكريتي ، وغيرهما، العشراتٌ من الذين تضمنتهم قائمة الإحالة إلى التقاعد ؟ لم أتردد لحظة في العام 2004 بإعادة المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الأمير الورد إلى الخدمة ، الذي اضطر في تسعينيات القرن الماضي إلى إحالة نفسه إلى التقاعد ، لتردي الوضع المعيشي للأساتذة . واذا كان العمر مقياساً وحدّاً فاصلاً ، تتوقف عنده مسيرة العطاء ، فالأجدر أن يطبق على من يحتلون مواقع قرارات خطيرة ، لها مساس مباشر بحياة البلاد ومستقبل والعباد. لي ثقة مطلقة لو تُرك الأمر للجامعات لما ضحّت بهذه النخبة الخيّرة ، لكن المشكلة تكمن ، كما أشرت غير مرة ، في المركزية الشديدة التي تمارسها الوزارة ، وهي غالبا ما تعبر عن سياسة وزير لا فلسفة وزارة .

علينا أن نفكّر بأسلوب خلاق ، فنجد طريقة تكفل استمرار هؤلاء العلماء بالعطاء العلمي والإشراف على طلبة الدراسات العليا ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، تفعيل ما يُطلق عليه في الجامعات الغربية " أستاذ كرسيّ " أو أستاذاً زائراً، أو أستاذ خبرةٍ . أغتنمُ هذه المناسبة، لأجدّد ما أعلنته سابقاً بضرورة رفع الغطاء الثقيل الذي تفرضه الوزارة على الجامعات ، وأن تُعطى للجامعات استقلالية وحرية واسعة في التعيين ، والقبول ، وإرسال البعثات ، وغيرها ، وأن يُحصر دور الوزارة في الإشراف والمراقبة والتقويم العلمي .


Tahir Albakaa
Historian