خطة بايدن - فدرلة أم تقسيم ايهما ممكن ؟ طاهر البكاء


أثار قرار الكونغرس الأمريكي ، غير الملزم ، في 26 أيلول 2007 بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم ردود فعل متباينة متناقضة ، ورفضاً عراقياً واسعاً.


لم يأتِ بايدن بجديد ، ففكرة تقسيم العراق مطروحة سابقاً ، إلا أنه استطاع أن يحولها إلى قرار ، مما أكسبها زخماً ، فهل هي عملية قابلة للتطبيق بأقل كلفة في المال والدماء ؟ أم أن هناك أفضل منها ؟


لابد من الاعتراف أنه في ظل الاحتلال الأمريكي 2003 ، وما أعقبه مباشرة من (مناخ ديمقراطي مشفوع بفوضى لا سيطرة عليها) أتيح للتنوعات الإثنية العراقية أن تبرز على السطح بقوة ، وتعبّر عن نفسها بحرية كاملة ، أسهمت السياسة الأمريكية بشرعنة المحاصصات القومية والطائفية بإعطاء هذه الجماعات الإثنية والمذهبية ، شحنات لم تكن هي أصلاً قادرة على تحمّلها ، وبهذا أصبحت المحاصصات واقع حال، وبخاصة بعد أن أقر الدستور النظام الفدرالي شكلاً للعراق الجديد.


التقسيم كحل :-

إن التقسيم ممكن أن يكون حلاً لا مفر منه إذا انعدم الأمل بوجود حلول أخرى. وإذا كان البلد –أي بلد- قابلاً للتقسيم، وأنّ هذا التقسيم قد يعود على سكان البلد بالأمان والاستقرار، فإن الأمر مختلف تماماً في الحالة العراقية، إذ يمكن أن يكون التقسيم إلى ثلاث كيانات مذهبية وقومية بمثابة رصاصة الرحمة على الجسد العراقي المثخن بالجراح .

إن هذا التقسيم سيؤجج مشاعر الطائفية والعنصرية أكثر مما هي عليه الآن، وسيؤدي إلى صراع دموي مرير وطويل ، يسفر بالتأكيد عن عمليات تهجير قسري، وهي تجري الآن فعلاً، وتكتوي بنارها ملايين العوائل من جميع الأطراف ولا سيما الشيعة والسنة والأكراد والتركمان ، وسيتركز هذا الصراع بدرجة أساسية في البصرة وبغداد و ديالى والحلة وصلاح الدين والموصل وجزء من الأنبار، طبقاً لمعايير طائفية محضة ، يرفضها الناس وفيهم من يمارسها، ويرفضها السياسيون بألسنتهم وتصريحاتهم وفيهم أيضاً من يمارسها، ويفتي رجال الدين بحرمتها وفيهم كذلك من يمارسها.


ومن جانب آخر فإن الصراع سيتركز في كركوك وجزء من الموصل وديالى على أسس قومية بين العرب والتركمان من جهة و الكرد من جهة أخرى .


إن التقسيم ، يُعدّ فشلاً وهزيمة للمشروع الأمريكي الهادف إلى تغيير واقع الشرق الأوسط ، بنشر الديمقراطية. وستكون له نتائج مدمرة على سمعة الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها ، ليس عربياً فحسب بل عالمياً ، ولا أبالغ في أقول: إن فشل التقسيم، سيكون بداية النهاية لهيبة أمريكا .


كما أن الإصرار على تطبيقه بالقوة ستكون كلفته كبيرة جداً جداً من الدماء والأموال الأمريكية ، فضلاً عن العراقية ، وسيعيق سحب جزء من قواتها ، بل ربما يجرها إلى إرسال المزيد من القوات ، وسيواجه رفضاً إقليمياً ، بل ستتدخل دول الإقليم ، وتفرض سيطرتها على أجزاء من العراق .خاصة تركيا التي أعلنت صراحة أنها ستحتل كردستان العراق ، وستتدخل إيران والسعودية أيضاً، وبعبارة أخرى إنه "توسونامي" لن تتوقف آثاره التدميرية في العراق وحده .


وهذا كله سيؤدي في المرحلة الثانية إلى انتعاش التطرّف الديني الراديكالي، مستفيداً من حالة الإحباط التي ستعم المنطقة، مع أنها محبطة أساساً، وسينتشر الإرهاب في الإقليم وغيره ، وستفرض الأحزاب الدينية السنية والشيعية قبضتها ، وعندها لا يجد التيار الليبرالي في أي من الأقاليم فرصة قريبة للنمو.


ثانياً: الفدرلة هي الحل :


يمكن أن تكون الفدرالية عاملاً لتوحيد العراق مثلما هي في أمريكا وكندا وألمانيا والهند والإمارات العربية المتحدة وغيرها، فيما لو شُكلت الأقاليم على أسس إدارية جغرافية وليس على أسس مذهبية طائفية عنصرية، فتكون كل محافظة إقليماً قائماً بذاته أو كل ثلاث محافظات كحد أقصى ، مثلما نص على ذلك قانون ادارة الدولة المؤقت 2004 ، فيكون الجنوب والوسط ثلاثة أقاليم والغرب إقليما، وتكون كركوك إقليماً قائماً بذاته لخصوصيتها القومية ، وكذا ديالى ، فضلاً عن إقليم بغداد العاصمة الفدرالية و كردستان بطبيعة الحال.


إن هذا التقسيم الفدرالي، سيحظى بتأييد العرب السنة بجميع أطيافهم السياسية والدينية ويُدخل الطمأنينة في نفوسهم ، وكذلك التركمان ، ولا شك في أنه سيقضي على هواجس الشيعة بجميع أطيافهم ، ويريحهم من تخوفات عودة الدكتاتورية ، بل وينهي إلى الأبد قيام حكم مركزي يمارس العنف السلطوي في الداخل ضد الشعب العراقي، ويوسع التقسيم الفيدرالي أيضاً مساحة الممارسة الديمقراطية ، وينقل روحيتها إلى الأقاليم ، بدلاً من تركزها في الحكومة المركزية ببغداد. ومن جانب آخرلا يثير التقسيم الفيدرالي مخاوف شتى لدى دول الجوار آنياً ، بل سيحظى بدعم من تركيا ، والسعودية ، والدول الأخرى ، ولا تستطيع إيران الاعتراض عليه ، بل ربما ستدعمه ، وسيساعد على إطلاق عملية تنمية اقتصادية متسارعة ،إذا ما رافقته سياسة عادلة في توزيع الثروات الطبيعية بين الأقاليم على أساس الكثافة السكانية. عندها سيتوحد العراق فدرالياً ، وستنشأ هوية عراقية وطنية تجمع العراقيين كلهم، عند خط شروع واحد.


إن فدرلة العراق إدارياً ، ستسمح للولايات المتحدة بسحب أغلب قواتها من العراق ، وتتخلص من الكلف المالية الباهظة التي تصرف الآن ، وستفتح أبواب الاستثمار الاقتصادي الواسعة أمام الشركات الأمريكية .


ولهذا الأنموذج نتائج إقليمية ايجابية كبيرة، إذ سيكون الأنموذج الفدرالي الديمقراطي العراقي بؤرة إشعاع لشعوب الجوار، وعاملاً محرِّكاً لها ، يتحول إلى كرة ثلج تكبر مع تدحرجها الطبيعي ، وحينئذ فقط تتحوّل سياسة أمريكا لإنشاء الديمقراطية في العراق إلى ظاهرة إشعاع تبهر شعوب الإقليم برمته، وتغريها بالديمقراطية والفدرالية وبسياسات الانفتاح على العالم ، وتقضي - في الوقت نفسه- على الأنظمة المركزية، ذلك لأن التجربة العراقية، ستكون المثال النامي المتطور الماثل أمام أنظارهم.


إن هذا الأنموذج، يتمشى مع الدستور العراقي ، وله مؤيدون كثر داخل البرلمان وخارجه ، وأن حجج معارضيه ضعيفة جداً ، ويمكن محاورتهم ، والأكثر من هذا فإنه يحظى بدعم شعبي عراقي كبير ، وسيفتح الطريق واسعاً أمام القوى الليبرالية في العراق من أجل ترسيخ الديمقراطية التي يفتقدها الشرق.

يجري في العراق الآن زرع ، سيكون بعده حصاد من جنسه ، فالمثل يقول: كما تزرع تحصد!!




Tahir Albakaa
Historian

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now