“ظلم اللحظة التاريخية”..تركيا والعراق أنموذجين

للتاريخ لحظات ظالمة عبر مسيرته الطويلة، لها نتائج سلبية مدمرة في كثير من الأحيان، بعضها كان سبباً في نشوب حروب كبرى، وأقرب الأمثلة على ذلك تسويات الحرب العالمية الأولى 1914-1917 التي كان من أسبابها تأسيس وصعود الحزب النازي الى الحكم في ألمانيا، الذي كان “أي صعوده”من أسباب نشوب الحرب العالمية الثانية 1939-1945.


في الحالة التركية:

من مظالم الحرب العالمية الأولى اتفاقية لوزان الموقع عليها في 24 تموز 1923، التي عُقدت بين تركيا من جهة وبريطانيا وفرنسا وايطاليا واليابان واليونان ورومانيا والبرتغال وبلغاريا وبلجيكا ويوغسلافيا من جهة أخرى.

 وتحت ضغط تلك الدول تنازلت تركيا في الفقرة الخامسة عشرة من بنود تلك الاتفاقية عن مطالبتها بجزيرة دوديكانيسيا التي ضُمّت الى اليونان مع أنها تقع على مرمى حجر من الساحل التركي أي فقط 2 كم ، بينما تبعد عن اليونان أكثر من 500 كم، والتي تبلغ مساحتها ،أي الجزيرة، 2714 كم مربعاً، ويتكون الأرخبيل من مجموعة من 15 جزيرة كبيرة نسبياً بالإضافة إلى 150 جزيرة أصغر في جنوب شرق بحر إيجة وشرق البحرالأبيض المتوسط ، قبالة سواحل الأناضول التركية، فقط 26 منها مأهولة.

وفقاً لموقع الجزيرة وللمسافة بينها وبين تركيا، وبعدها عن اليونان بمسافة كبيرة جداً فالمنطق يقول إنها لابد أن تكون جزءاً من الأراضي التركية، لكنْ في لحظة ظلم تاريخي ، أجمعت الدول الأوربية على إذلال تركيا الحديثة عقاباً لما إرتكبته الامبراطورية العثمانية.



تلك اللحظة التاريخية التي مضى عليها قرن من الزمن تقريباً، والتي تتفجر هذه الأيام، قد تقود الى نشوب حرب بين تركيا الساعية الى إحياء النفوذ العثماني في مناطق متعددة والمتعطشة للحصول على مصادر طاقة ، نفط ، غاز في البحر المتوسط، وبين اليونان المدعومة أوروبياً والمتمسكة بظلم اللحظة التاريخية السابقة. وتتناسى هذه الدول أن تلك اللحظة هي محض “تغلب بالقوة”. وفي هذا الإطار يُؤثر عن الإمام علي “ع”، قوله: “ان الغالب بالشر مغلوب”.

 وكان الرئيس رجب طيب أردوغان قد قال في كلمته أمام الدورة 75 للجمعية العامة للامم المتحدة في 22 أيلول 2020: “إن محاولات إقصاء حقوق بلادنا ومصالحها في شرق المتوسط لا جدوى لها على الاطلاق”


   احتكم المنتصرون في الحرب العالمية الأولى الى نتائجها وتناسوا حقائق الجغرافية، ولم ينظروا الى مصالح الدولة التركية الناشئة، وبذلك خلقوا مشكلة بين بلدين جارين، بينهما إرث تاريخي مليء بالسلبيات والاختلافات وعوامل الفرقة. وفي أيامنا هذه، عندما اكتشف الأمريكان ان أعماق شرق البحر الأبيض المتوسط تحتوي على وفرة ضخمة من النفط والغاز ، تفجر الصراع بين البلدان المتشاطئة على الجرف القاري الذي تم تحديده بقانون البحار الدولي ب 200 ميل بحري، وهذا ممكن في البحار الواسعة، لكنّه غير ممكن في الحالة التركية اليونانية ، إذ أنّ المسافة بين جزيرة دوديكانيسيا التي سبق الإشارة إليها، وبين الساحل التركي ليس سوى 2 كم ، وبهذا حرمت تركيا من استغلال الثروة النفطية والغازية المكتشفة في البحر الأبيض المتوسط. وذلك بسبب ظلم اللحظة التاريخية التي ارتكبها الأوربيون بعد الحرب العالمية الاولى.


في الحالة العراقية:

كانت حماقة احتلال الكويت في الثاني من آب 1990 ، بغض النظرعن أسبابها والمتسبب بها، قد هيأت الأرضية ووفرت الأسباب للحظة ظلم تاريخية أخرى ، وما أكثر تلك اللحظات في عالمنا المعاصر، إرتكبها ألائتلاف الذي أنزل هزيمة ساحقة بالعراق 1991 وما إرتكتبته الأمم المتحدة ولجانها لاحقاً ، مثلما فعل الحلفاء بالدولة العثمانية بعد إنتصارهم في الحرب العالمية الاولى، وأكسبوا معاهداتهم المُذلّة صيغة رسمية أممية ، بتصديقها من قبل عصبة الأمم.


بعد الهزيمة العسكرية في الكويت مطلع 1991 ، وخروج العراق محطماً عسكرياً ونفسياً ومحاصراً اقتصادياً، استعاد نظامه سيطرته على البلد، لكنّه ووجَه داخلياً على المستويين الحزبي والشعبي، وخارجياً على المستوى العربي، وحتى في نطاق المجتمع الدولي، بانتقادات واسعة النطاق تحمّله مسؤولية الكوارث التي حلت بالبلد منذ نهاية السبعينات، وحتى بداية الألفية الجديدة.

ذلك النظام، اتّصف بـ”العناد السياسي” الذي حَرَمَ قيادته العليا من شجاعة الاعتراف بالخطأ وتحمل مسؤوليته أو الاعتذار عنه، فضلاً عن أنها لم تكن تسمح بأي شكل بمنطق “ثقافة التنحي عن الحكم”أو بـ”الاستقالة”. ولهذا اختارت ما درجت عليه بتطبيق مفرداتها في “ثقافة التحدّي مهما كان الثمن!”، ففضلت ان تبقى في الحكم كـ”قيادة هزيمة” كما سمّاها خصومها، ومثل هكذا قيادة تكون مؤهلة للرضوخ الى شروط المنتصرين مقابل بقائها في الحكم، لأنها تعتقد أنّها قادرة على تصحيح موقفها. وهذا ما جرى مثلاً، بداية التغيير بين 17-30 تموز عام 1968، وربما هي “المخاطرة نفسها” في اتفاق صدام-الشاه في الجزائر عام 1975. لكنّ النتائج جاءت مختلفة وعاصفة بعد تجربة حرب الكويت!.



في تلك الظروف أصدرت الأمم المتحدة قراراتٍ قاسية ظالمة بل انتقامية ضد العراق. وبناءً على توصيات لجانها العاملة في العراق والكويت، أعادت ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين لصالح الكويت، فزحف الحد البري من المطلاع سابقاً على الجانب الكويتي الى سفوان على الجانب العراقي، فضم مزارع سفوان العراقية إلى الجانب الكويتي، بالاضافة الى ضمّ قسم من حقول الرميلة الجنوبية، وجزءٍ كبيرٍ من منطقة أم قصر، فقد اشتمل الزحف البري على ضمّ منطقة الصامتة وعددٍ من البيوت في مدينة أم قصر الى الجانب الكويتي.

وحرم الترسيمُ العراق من المياه العميقة في خور عبد الله ، وأعطي للكويت قسم من القاعدة البحرية العراقية في أم قصر، بعد أن كان العراق يأمل بالحصول على جزيرتي وربه وبوبيان، قبل الغزو العراقي للكويت عام 1990، لاتخاذهما قاعدة بحرية لاسطوله العسكري.



    وهكذا تكون الأمم المتحدة قد ارتكبت اخطاءً بحق العراق في لحظة ظالمة، مثلما ارتكبت عصبة الأمم خطأها السابق بحق تركيا.

إنّ ما جرى في عمليتي “اللاإنصاف الأممي”لبلدين مهمّين في الشرق الأوسط، سيقود حتماً إلى مشاكل عميقة، تتفجر الآن فعلياً بين تركيا واليونان، وستتفجرمستقبلاً بين العراق والكويت. وبمعنى، لا يمكنْ لـ”ظلم اللحظة التاريخية”، أي يَندرس، أو يُتناسى، مهما تعاقب الزمن!.

                                          

Tahir Albakaa
Historian

© 2017 by Tahir Albakaa

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • LinkedIn Social Icon
  • wikipedia-logo_1
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now