الأستاذ الدكتور كمال مظهر... الرجل الشامخ الصريح ، بقلم طاهر البكاء ، بغداد 1998

الدكتور كمال مظهر..الرجل الشامخ الصريح

طاهر البكاء

بغداد 1998

مسيرة الحياة ملأى بالشخوص ، ومسيرة الدراسة ملأى بالشخصيات ذوات الأثر.

أساتذة أثروا في التلاميذ وتلاشت آثارهم بعد حين.

وأساتذة استمر تأثيرهم إلى ما بعد الدراسة والتلمذة وهم قلة.

وأساتذة استقر تأثيرهم في العقل والضمير وهم الأقل.

ومن هذا الأقل ، أستاذي الدكتور كمال مظهر أحمد.

لا أرى من الإنصاف أن أرسم له لوحة قلمية كما أراها في عينيَّ ، فعيناي تضيقان عن احتواء سعته مهما اتسعتا ، و شخصية مثل شخصيته تقصر عن الإيفاء بها أدوات التعبير التي أمتلك.

فكيف وأنا بين الكر على صدق التعبير والفر من العجز المتوقع فيه. و بين ما يعشش في القلب وهو كثير وكبير وبين ما يسمح به اللسان و هو القليل الضئيل؟

ولكن بالاتكال على الله و بخلوص النية و بالشعور بواجب التلمذة و حقوق الأستاذية وبالغبطة أن يجد هذا الأستاذ الجليل منفذاً للتعريف به على لسان عاجز مثلي وما درى أن شرف التعريف يصيب المعرِّف أكثر مما يصيب المُعَرَّف به. لأن المُعَرَّف به غني عن التعريف، ولقد يقال إنّ المعرَّف لا يُعرّف . أما أنا فاقتبس من هالة النور قبساً أستضيء به و لا أضيف إلى القمر نوراً. ولكي أكون كما أرادني مَن شرفني بهذه المهمة ، دقيقاً ، صادقاً ، موضوعياً في هذا الأمر ، أجدني أمدّ النظر إلى الماضي حيث أول لقاء وما تلته من لقاءآت عمّقت المعرفة ووسَعّت من دائرة الاكتشاف و أضافت إلى الفكر والنفس والضمير كثيراً من جوانب الإغناء والإثراء والتأصيل. ثم أنه معروف بأعماله التي تشهد له، كما يشهد له طلابه المنتشرون، فيما تتسع دائرة الإفادة منه يوماً بعد يوم فتنفذ إلى نفوس طلبته اقباس من مكارم أخلاقه ومحاسن السلوك المهذب الكريم. فهو الأستاذ في قاعة الدرس و المعلم في السلوك والتصرف والمربي في التوجيه والتقويم والمَثَل في التشخيص والخُلق.

وهذا الماضي ليس ببعيد ففي ربيع 1980 التقيته، كان أستاذاً وكنت مشروع طالب "دراسات عليا" ، كان معروفاً لي ولغيري وكُنت مجهولاً له ، كان منصرفاً للعلم زاهداً في غيره ، وكنت ألتمس العلم وسيلة للوصول إلى ما زهد فيه ، شأني شأن أغلب المتقدمين للدراسات العليا .

المحطة الأولى:

كنت وزملائي حديثي العهد بالبحث العلمي ، وما فتئت صفاتنا الأخرى البارزة تلقي بظلالها على كوننا طلاب علم ، وكنا نأنس بها آنئذ لأن عود العلم لما يزل طرياً و رخواً لدينا.

في أول محاضرة له معنا ، دخل القاعة وحيا الحضور تحية العالم الذي زاده العلم تواضعاً ثم قال:-" إننا في قاعة علم ، وفيها نسعى للبحث عن الحقيقة ، لنستوعب حركة التاريخ ، ونتعلم ما يخدم الحاضر والمستقبل . وإن للتارخ قوانين تحركه، له فلسفات تفسره فلا يجوز تحميل الكلمات والجمل التي تقال هنا بأكثر مما تحتمل، وأنْ لا نفسرها خارج القاعة كما يحلو لبعضنا" ثم أردف بلغة الحازم الواثق من نفسه ، بعد أن تجهم وجهه ، يجب على كل واحد منكم أن ينسى صفاته التي يتصف بها خارج القاعة ويتذكر ليعرف أنه هنا مجرد طالب". تراءى لي في حينها أنني أحد اثنين يقصدهما في حديثه، وأسررت في نفسي أنني ربما سأواجه متاعب ومصاعب ، كيف بي على مواجهتها أو تجاوزها؟ تركت الأمر إلى الأيام مذعناً لإيماني بأنه لئن كان الحق واحداً وحقيقة الخالق مطلقة فإن الحقائق الأخرى قد تكون نسبية وإن الأيام كفيلة بإيضاح ما التبسَ عليَّ وربما على أستاذي أيضاً.

كانت له فلسفته التي يؤمن بها في تفسير التاريخ ، وهذا أمر طبيعي لعالم مثله ، لم يتوصل إليها بالتلقين والاقتباس والتقليد بل بالدرس والبحث والتجريب والخبرة ، أما نحن الطلبة فقد كانت الآراء والفلسفات تتلاطم في أذهاننا وفي قراءاتنا وفيما نتقن من كتب فتتجاذبنا الآراء وننتقل من رأي إلى رأي بحكم قوة الحجة وقوة الإقناع مستندين في ذلك إلى ما نعتقده من فكر شامل لدينا وإلى الأنساغ الأولى التي أستلهمناها ونحن في مقتبل التطلع الفكري فإذا بتواتر الآراء والفلسفات و تنافرها يعصفان بنا في بحر متلاطم الأمواج ومتعاقب الآراء والردود ، وبدأت رايات الاستسلام لحجة العلم تتهيأ عند البعض منا وأنا منهم. بعد أن كانت الآراء تتجاذب وحتى المتناقضة منها وكنا نقبل أكثر من تفسير لحدث واحد لضآلة ما نمتلك من حجج الرد أو لضعفها أمام الحجج القوية، الأمر الذي أثار عندي بعض المتاعب ذلك لأني أبديت إعراضاً عن بعض منطلقات الأستاذ الفلسفية منطلقاً من أحكام مسبقة تجاهه ليس إلا دون قرع الحجة بالحجة كما يحلو لأستاذي أن يرى طلبته وهم يتحاورون معه.

في هاتين السنتين بدأت تأثيرات شخصية الأستاذ ونبل مقاصده و سمو خلقه العلمي ، تنفذ إلى الطالب ليجد في نفسه جذور إنباتٍ في طور الإنشاء والتكوين.

المحطة الثانية:-

في صيف عام 1983 ، وفي أثناء اشتداد المعارك بين العراق وإيران كُلفتُ بآمرية قاطع المستنصرية الثاني في الجيش الشعبي ، ولم أتوقع أن يكون ذلك بداية للتقارب الوجداني مع أستاذي ، ولم يكن الدكتور كمال يتوقع ذلك أيضاً.

فقد اضطر أن يكتب لي بصفتي الجديدة ، حيث قصدته عائلة كان ابنهم أحد مقاتلي القاطع ، بعد أن علموا أن آمر القاطع أحد طلبة الدكتور كمال. ولما كان صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاء حاجته ، لم يقبلوا منه عذراً و لا اعتذاراً ، إذ لا مناص من ذلك ، فاضطر للكتابة لي وبطريقته !

كانت الرسالة تعبيراً صادقاً عن سجيته وطبيعة سخصيته ، ففي ذات ليلة وفي منطقة جبلية وعرة ، والليل أرخى سدوله على الجبال الشوامخ في كردستان – العراق ، لا يسمع الإنسان سوى أصوات المدافع وإطلاق نار متفرق متقطع وبرقيات وأوامر ... في مثل تلك الأجواء خلوت لأتصفح البريد فوجدت فيه رسالة "المفاجأة"! إنها من الدكتور كمال مظهر أحمد ! يا لها من مفاجأة !

لم يكن مصدر الرسالة موضع المفاجأة فحسب ، بل كان أسلوبها مثيرأً للعجب بل و الإعجاب. فقد كانت كل كلمة وعبارة فيها دَرساً وتعبيرأً عن شموخ لا يقدر عليه إلا الشامخون وهم قلة. فقد كانت تخلو من الكلمات المنمقة التي تُستهل بها الرسائل في مثل هذه الحالات ولكنها لم تكن تخلو من اللياقة المعهودة لديه .

كان صريحاً إلى أبعد الحدود فقد أورد فيها ما معناه ، لم أكن أتوقع أنني سأجبر على الكتابة اليك ، فلم يقبل أصحابي عذري وصراحتي معهم ... إلا أنهم أصحاب حاجة .. كان وقع الرسالة عظيماً في نفسي ، لأنني بحكم الطبع أجل و أحترم وأقدر بل وأقدس الرجل الشامخ الصريح ، وأمقت المنافق المداح ، حتى أنني أشعر بخجل شديد من كلمة مديح فيَّ صدقاً ، فكيف بمن يَقبل ما يقال فيه رياءً و يأنس بذلك؟

كانت هذه من سجايا الدكتور كمال قبل أن تكون مني ، اكتشفتها فيه من خلال هذا الموقف ، وجاء جوابي عفو الخاطر سريعاً ، لم أفكر فيه طويلاً ، و أرسلته بيد حامل رسالته :

كانت الرسالتان بداية نوع من التقارب البطيء بيننا ، أسهم الأخ المهذب عبد الله شاتي فيه ، ولئن كان هذا التقارب بطيئاً إلا أنه أرسى أرضية صلبة لبناء علاقة ذات كيان وجذور تؤطرها المحبة و المودة والإجلال.

المحطة الثالثة:-

في عام 1987 تتلمذت مرة أخرى في مرحلة الدكتوراه على يديّ الدكتور كمال مظهر، وفي هذه المرحلة تعرفت عليه بشكل أوسع وأعمق، و غدوت أكثر فهماً للحقائق التاريخية وفلسفتها. قدّم لي و لزملائي مساعدة كريمة و سخية ووفرَ لنا من مكتبته الخاصة المصادر الروسية. و هذا ديدنه مع طلبة الدراسات العليا كافة، لا يفرق بينهم ولا يمايز ، يقدم العون والخبرة و المشورة لمن يحتاجها ، حتى أمست مكتبته إحدى المكتبات الخاصة التي يقصدها الطلبة و الأساتذة لأنها تنفرد بمصادر قد لا تتوفر في المكتبات العامة والخاصة.

يقدم لك الكتاب بنفسه بعد أن يؤدي واجبات الضيافة بسرور كبير ، يراجع أطروحة هذا و يترجم لذاك، لا يعتذر و لا يتردد ، يتحامل على نفسه و صحته و وقته ليقدم المساعدة العلمية ، رغم كثرتها و سماجة بعض أصحابها وهم أصحاب حاجات!

هذا الإنسان الذي تلمستُ جوانب كثيرة وعميقة في إنسانيته و مازلت أكتشف فيه كنوزاً من المعاني و الدلالات السلوكية التي لا تأتي إلا لمن حباه الله الحكمة و لعلم و الأدب الرفيع. هذه المعرفة العميقة به تطلبت مخاضاً امتد عقداً ونيفّ من السنين. و ما يزال على عطائه و سخائه العلمي يوظّف وقته للآخرين ولا يأنس من راحته إلا بالقليل المتبقي ، يؤمن أشد الإمان بل ويطبق أوضح التطبيق العبارة التي علّقها على صدر مكتبه "رُتبة العلم أعلى المراتب".

المحطة الرابعة:

ذات يوم في جلسة غير مخطط لها، زارني كل من العلامة الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ ، والأخ مؤيد عبد القادر (أبو بعث) و الأخ محمد عيسى الخاقاني ، وشقيقي يحيى البكاء. كان الحديث جائلاً غير مرتب ينتقل بنا من السياسة إلى الفقه، ومن الاقتصاد إلى الأدب ، ومن الحصار إلى المستقبل ، ثم العودة إلى التاريخ. ولم يكن الأشخاص بعيدين عنا، و ربما كانوا في صلبه. وكان الأستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد منهم ، و ربما كان الأبرز الذي توقفنا عنده طويلاً، لأن الأخ المهذب الأديب (أبو بعث) لديه رأي في الدكتور كمال، و الأصح عنده (غضب محب) وبعد أن افترقنا أرسلت كتاباً إلى الأخ مؤيد عبد القادر ، بعد أن أخفيت عنوان مؤلفه واسمه، وأرفقت بالكتاب رسالةً طلبتُ فيها منه أن يقرأ الفصل الخامس ويحدد بعدها هوية المؤلف ان كان كردياً أو عربياً أو أرمنياً.

لم يكتف (أبو بعث) بالفصل الذي أشرت له ، بل قرأ الكتاب بالكامل ، و بذكائه المعهود عرف اسم المؤلف ، و أرسل لي رسالة أورد فيها رأياً صريحاً وواضحاً في الدكتور كمال أقتبس ما نصه:

"... فقد عرفت أن الكاتب هو الأستاذ الجليل الرائع كمال مظهر أحمد الذي نحبه كلانا أنت و أنا ، باسماً ومتجهماً ، سلبياً و إيجابياً ، راضياً وساخطاً ... و الكتاب برمته يؤكد إنسانية الرجل و صدق معدنه ، و شجاعته في قول ما يراه صحيحاً بالنسبة إلى قناعته ، و نبل مقصده ، والأكثر من ذلك فإنني أشعر معه ، بالرغم من تحفظاتي على آرائه في الكتاب بأهمية حل المشكل القومي بطريقة علمية ديمقراطية وإنسانية".

كانت فرحتي برسالة "أبو بعث" لا توصف وأنا أقرأ هذا الرأي التقدمي الذي يؤكد إنسانية أمة وحركة أسيء إليها كثيراً ولم تستطع الدفاع عن نفسها حتى الآن! و قد ختم أبو بعث رسالته بـ :

"إنني انسان يحترم الكلمةَالصادقةَ، كما يحترم بصدق الكرد و يجل تاريخهم الوطني الناصع ، فهم معنا أبداً على أديم وطن واحد حرسه الله و حرس أهله المخلصين جميعاً".

هذا هو الدكتور كمال مظهر أحمد ، محب لطلبته ، محبوب منهم ، يزرع الاحترام في مَن يلتقيه ، يحتفي بكل زائر من زواره ، و هم كثر ، نجد طلبته في بيته في الأيام الاعتيادية ، أما في الأعياد فإن بيته المعمور به أبداً مكان لقائهم فهو المنهل و المصب لطالب العلم و زميل الدراسة و للباحث و الساعي إلى البحث عن الحقيقة. وكان فضل الأستاذ على طلبته لا تحدّه حدود فهو في الأثر المستقر ناهيك عن الأثر المستمر. فقد كنا نفكر في صيغة لنعبر فيها عن الوفاء بفضله في اطار جماعي ، حتى طرأت الفكرة في أن نستثمر مناسبة بلوغه الستين من عمره المديد ، لنجعلها مناسبة للاحتفاء والتكريم فتألفت لجنة برئاسة الدكتور عبد المناف النداوي عميد كلية المعلمين في الجامعة المستنصرية وعضوية المرحوم الدكتور نصيف جاسم الأحبابي والأخ علي عبد شناوة و مني. أخذت على عاتقها الإعداد للاحتفال والتكريم ، و تمت مفاتحة المؤسسات الثقافية و الشخصيات الفكرية و العلمية، فكان الرد الإيجابي يليق بالمحتفى به. وتم الاحتفاء باحتفال مهيب فاجأنا به أستاذنا و عبّرنا له عن بعض الوفاء ، فكان حقاً ، احتفاء في احتفالية الوفاء.

وبعد...

فإن الأستاذ كمال مظهر أحمد هو في عيني أكثر بكثير مما ورد على قلمي، و ينبغي أن يكون كذلك ، فالقلم العاجز و اللسان العاجز و التعبير العاجز لا يمكن أن يقوم مقام الخزين الدائم في القلب و الفكر والضمير من الإعجاب و المودة والاعتزاز و الاحترام و الإجلال، و هو في كل ذلك صاحب الفضل علينا أمدّ الله في عمره بمزيدٍ من البقاء موصولٍ بفرائضه من الشكر و نَفعَ به العلم و المجتمع و أغناه بالافتقار إلى الله وَحده و أعزه بالعبودية لله وحده ، و هداه وهدانا إلى سواء السبيل.

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى.

صدق الله العظيم.

Tahir Albakaa
Historian